عباس حسن
462
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
--> - الخبر هو : أن يسأل سائل : من عندكما ؟ فتقول : « زيد » . التقدير « زيد عندنا » ؛ فحذف الخبر وهو « عندنا » ؛ للعلم به على الوجه السالف . وأتى في البيت الثاني . بمثال لحذف المبتدأ ؛ أن يسأل سائل : كيف زيد ؟ فيكون الجواب : « دنف » أي : شديد المرض « فدنف » خبر المبتدأ الذي استغنى عنه فحذف ، وأصل الجملة : زيد دنف . وقد ردد في كلامه اسم : « زيد » على عادة قدامي النحاة في كثرة ترديده خلال أمثلتهم ، هو ، وعمرو ، وبكر ، وخالد . . حتى صار التمثيل بهذه الأسماء بغيضا ؛ لابتذاله . يتحاشاه - بحق - أهل البلاغة والمقدرة الفنية . وبهذه المناسبة نشير إلى أن كلمة : « كيف » أو « كي » - كما ينطقها بعض العرب - هي في أكثر استعمالاتها : إما اسم مبنى على الفتح ، معناه الاستفهام عن حالة الشئ ، والسؤال عن هيئته الطارئة عليه ، دون السؤال عن ذاته وحقيقته ، وإما اسم معرب ، لا يدل على استفهام ، وإنما يدل على الحال المجردة ، والهيئة المحضة ، بأن يكون بمعنى « الكيفية » . وإما شرطية غير جازمة . فلها حالات ثلاث لا تكاد تخرج عنها . ولكل حالة أحكامها التي نوضحها فيما يلي . ا - فالاستفهامية لها الصدارة في جملتها . وهي مبنية على الفتح وجوبا في كل مواقعها المختلفة باختلاف الأساليب التي تحتويها . وضابط إعرابها أن ننظر إلى العامل بعدها ؛ فإن كان محتاجا إليها باعتبارها جزءا أساسيا لا يستغنى عنه فإنها تعرب على حسب حاجته ، فتكون خبرا في مثل : كيف أنت ؟ لأن العامل الذي بعدها مبتدأ يحتاج للخبر ؛ فهي الخبر له ، مبنية على الفتح في محل رفع . وكذلك هي الخبر في مثل : كيف بك ؛ وكيف به ، - بالإيضاح الذي سبق في رقم 2 من هامش ص 405 - وفي مثل : كيف كنت ؟ تعرب خبرا « لكان » ، مبنية على الفتح أيضا في محل نصب ؛ لاحتياج « كان » لخبر . وفي مثل : كيف ظننت الضيف ؟ تكون مبنية على الفتح في محل نصب ، مفعولا ثانيا للفعل : « ظن » - وهو من الأفعال التي تحتاج لمفعولين ، أصلهما المبتدأ والخبر - فإن كان ما بعدها غير محتاج لها احتياجا أساسيا على الوجه السالف بقيت مبنية على الفتح أيضا . ولكن في محل نصب دائما ؛ إما لأنها حال ؛ نحو : كيف حضر الضيف ( أي : حضر الضيف في أي حال ؛ وعلى أي هيئة ) وإما لأنها مفعول مطلق ؛ نحو ( أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ ؟ ) « فكيف » مفعول مطلق . والمعنى : فعل ربك بأصحاب الفيل أىّ فعل . . . فهي في كل ما سبق اسم استفهام مبنى على الفتح في محل رفع ، أو نصب على حسب حاجة العامل ، ولا تكون في محل جر مع بقائها استفهامية إلا سماعا في بعض أمثلة نادرة لا يقاس عليها ؛ منها قولهم : على كيف تبيع الأحمرين ؟ ولسيبويه رأى آخر حسن في معنى « كيف » الاستفهامية ، وفي إعرابها . وقد اضطرب النحاة في شرحه إلى أن تناوله « الخضري » في حاشيته فأزال عنه الغموض والخفاء ، وكشف بشرحه السبب في استحسان صاحب « المغنى » وتأييده لذلك الرأي . وملخصه : أن معنى : « كيف » الاستفهامية عند سيبويه شئ واحد ، هو السؤال عن الحال والهيئة الطارئة على الأمر المسؤول عنه ، وأن من يقول : كيف محمد ؟ وكيف الجو ؟ يريد : في أي حال ؛ محمد ؟ وعلى أي حال الجو ؟ فمعناها اللفظي الدقيق هو : - في أي حال ؟ ، أو : على أي حال ؛ بحيث تستطيع أن تحذف لفظها وتضع مكانه هذا الذي بمعناه ، فلا يتأثر المراد . وهذا معنى قول سيبويه إنها : « ظرف » مبنى على الفتح ؛ - لأن كلمة : « ظرف » يراد منها أحيانا الجار مع مجروره . ثم هو يريد الظرفية المجازية ؛ كالتي في مثل : فلان في حالة حسنة . ولا يريد الظرفية الحقيقية النحوية التي تقتضى أن يكون الظرف منصوبا على الظرفية ؛ إذ لا تدل هنا على زمان أو مكان ، وإنما يريد ما قدمناه من نحو : في أي حال - وعلى أي هيئة . . . وبهذا تكون « كيف » عنده مبنية على الفتح في محل رفع أو نصب ، على حسب حاجة العوامل ، ولا تكون في محل جر ، ولا مقصورة على النصب للظرفية أو لغيرها .